ابن الجوزي

282

صيد الخاطر

فان قدر أن يشغلها بحمل أو ولد عرقلها به ، فاستبقى قوته في مدة اشتغالها بذلك فإن وطئ فليصبر عن الانزال حفظا لقوته وقضاء لحقها . وقد قيل لبشر : لم لم تتزوج ؟ فقال : على ما ذا أغر مسلمة ، وقد قال اللّه عز وجل « وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ » والمسكين من دخل في أمر لم يتلمح عواقبه قبل الدخول ورأى حبة الفخ فبادر طالبا لها ناسيا تعرقل الجناح والذبح . ومجموع ما قد بسطته حفظ البصر عن الاطلاق ، ويأس النفس عن التحصيل ، قنوعا بالحاصل خصوصا من قد علت سنه ، وعلم أن الصبية عدوّ له متمنية هلاكه ، وهو يربيها لغيره . وفي بعض ما ذكرته ما يردع العاقل عن التعرض لهذه الآفات . نسأل اللّه عز وجل توفيقا من فضله وعملا بمقتضى العقل والشرع . انه قريب مجيب . 236 - موعظة في الاستعداد للموت أعجب الأشياء اغترار الانسان بالسلامة ، وتأميله الاصلاح فيما بعد . وليس لهذا الامل منتهى ، ولا للاغترار حدّ ، فكلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الامل . وأي موعظة أبلغ من أن ترى ديار الأقران وأحوال الاخوان وقبور المحبوبين ، فتعلم أنك بعد أيام مثلهم . ثم لا يقع انتباه حتى ينتبه الغير بك . هذا واللّه شأن الحمقى . حوشي من له عقل أن يسلك هذا المسلك . بل واللّه ان العاقل ليبادر السلامة فيدخر من زمنها للزمن ، ويتزود عند القدرة على الزاد لوقت العسرة . خصوصا لمن قد علم أن مراتب الآخرة انما تعلو بمقدار علو العمل لها . وان التدارك بعد الفوت لا يمكن . وقدّر أن العاصي عفي عنه . أينال مراتب العمال ؟ . ومن أجال على خاطره ذكر الجنة التي لا موت فيها ولا مرض ولا نوم ولا غم ، بل لذاتها متصلة من غير انقطاع ، وزيادتها على قدر زيادة الجد هاهنا ، انتهب هذا الزمان فلم ينم إلا ضرورة ، ولم يغفل عن عمارة لحظة . ومن رأى أن ذنبا قد مضت لذته وبقيت آفاته دائمة كفاه ذلك زجرا عن مثله ، خصوصا الذنوب التي تتصل آثارها مثل أن يزني بذات زوج فتحمل منه ، فتلحق بالزوج ، فيمنع الميراث أهله ، ويأخذه من ليس أهله ، وتتغير الانساب والفرش ، ويتصل ذلك أبدا ، وكله شؤم لحظة . فنسأل اللّه عز وجل توفيقا يلهم الرشاد ، ويمنع الفساد ، انه قريب مجيب .